بن عيسى باطاهر
55
المقابلة في القرآن الكريم
وفي مشاهد الكون المتقابلة استدلال يوجب الإقرار بالوحدانية والقدرة القاهرة ، السماوات والأرض ، الأعمى والبصير ، الظلمات والنور ، ومن يخلق ومن لا يخلق « 1 » ، وهذ المقابلات التي تساق هي لإيضاح الفرق بين الحق والباطل مثل وضوح الفرق بين الأعمى والبصير ، وبين الظلمات والنور ، فالوحدانية في الخلق والوحدانية في القهر قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ، هي الحق الذي لا يمكن بأية حال أن يرتقي إليه الباطل المتمثل في التعدد « 2 » . ب - المقابلة الكبرى : اللّه والطاغوت : 1 - التقابل ضرورة بشرية : إن الوجود الإنساني كلّه قائم على التقابل بين الأشياء ، وهذا من البديهيات التي يدركها أي عاقل ، فما من شيء إلا وله ما يقابله وينافيه في أوصافه إذا كانا تحت جنس واحد ، ويكون بينهما تضاد يبعدهما أبعد البعد ، كالسواد والبياض ، والخير والشر ، والظلم والعدل وغير ذلك من المتضادات . والضد هو أحد المتقابلات ، لأنّ المتقابلين هما الشيئان المختلفان اللذان كل واحد منهما قبالة الآخر ، ولا يجتمعان في شيء واحد في وقت واحد « 3 » . وقد أقام اللّه الكون وما فيه على التقابل والتضاد لحكمة يعلمها هو ، قال تعالى : وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [ الذاريات : 49 ] ، « أي أنّ الموجودات كلها متقابلة إلا اللّه فإنه فرد لا مقابل له بل هو الواحد الحقّ الخالق للأزواج كلها » « 4 » .
--> ( 1 ) حامد قنيبي - المشاهد في القرآن الكريم - ص 497 . ( 2 ) سيد قطب - في ظلال القرآن - ج 4 - ص 2053 . ( 3 ) محمد بن يعقوب الفيروزآبادي - بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز - تحقيق محمد علي النجار - ط المكتبة العلمية : بيروت - ج 3 - ص 463 . ( 4 ) الغزالي أبو حامد - إحياء علوم الدين - ج 3 - ص 44 .